الصحة العاطفية

صفحتنا على G+

دراسة حالة

"جاك" رجل حسن المظهر يتمتع بقدر متوسط من الذكاء، وهو يخاف بشدة من القيادة في الطرق السريعة؛ رغم أنه سائق ماهر، يتوخى الحذر في كل الأوقات، لكنه أقنع نفسه بخطورة القيادة في الطرق السريعة، وأنه إذا حاول قيادة سيارته في الطريق السريع سيفقد السيطرة على عجلة القيادة، وستكون النتيجة وقوع حادث مروع. لهذا، امتنع "جاك" عن القيادة في الطرق السريعة واقتصر على القيادة في طرق المدينة الهادئة القريبة من منزله، في وضح النهار فقط. هذا، ويعيش "جاك" الآن بعيداً نوعاً ما عن عائلته، التي يحب أن يزورها كثيراً.

 

وعلى الرغم من لك، ونتيجة للقيود التي فرضها على نفسه بشأن القيادة في الطريق السريع، يحيط "جاك" نفسه وأسرته بقدر كبير من الشعور بالقلق وعدم الراحة عند السفر لزيارتهم، لأن الطريقة الوحيدة للذهاب ليست متاحة دائماً في المكان الذي يعيش فيه "جاك".

 

وبالطبع، فمن الناحية النظرية يستطيع "جاك" أن يقود سيارته بنفسه إلى حيث يعيش أهله وأقاربه، أو أن يستقل الحافلة العامة، لكن ذلك يعني أنه سيستخدم الطريق السريع، وهذا احتمال بعيد جداً بسبب قلقه الشديد.

 

وبعد معرفة موقف "جاك" في الحياة، تبين أن مشكلته الحقيقية هي شعوره المبالغ فيه بالخوف من الموت.

 

وفي هذا الصدد، يقول "جاك" إنه ليس كبيراً في السن ولا يطيق مجرد التفكير في أن يلقى حتفه في حادث تصادم سيارة ولا يرى عائلته التي يحبها مرةً أخرى، وأنه لن يخاطر بحياته لأنه يريد البقاء معهم أطول وقت ممكن.

 

بناءً على نموذج (أ-ب-ج)، فإن (أ) تشير إلى إمكانية وقوع حادث يؤدي إلى جرح خطير أو إلى الوفاة. وعند النقطة (ج)، يشعر "جاك" بالفزع لمجرد التفكير في أنه لن يرى عائلته مرةً أخرى.

 

وينشأ شعور "جاك" بالخوف من الموت المحتمل في مثل هذه الطرق من معتقداته الخاصة بهذا الحدث المروع.

 

وعند النقطة (ب)، يحدث "جاك" نفسه ببعض المعتقدات اللاعقلانية، فيقول: "أليس أمراً مروعاً أن تنتهي حياتي سريعاً قبل أن أستمتع بها في كنف عائلتي التي تعيش الآن بعيداً عني؟ فأنا لا أتحمل مجرد التفكير في أن أُحرم من الحصول على الشيء الذي أتمناه وسعيت كثيراً لتحقيقه وأعتقد أني أستحقه بالفعل. فمن حقي أن أعيش عشرين سنة أخرى على الأقل كي أستمتع بأسرتي وإلا لا تكون للحياة فائدة."

 

دعنا -عزيزي القارئ-ننظر بتمعن أكثر إلى ما يقوله "جاك" لنفسه عن إمكانية حرمانه من أسرته لو خاطر بالقيادة، أو لو سافر في الطرق السريعة.

 

فإذا تمعنت في ذلك، ستجد أن القلق الطبيعي يختلف عن القلق المرضي المُبالغ فيه. فلو لم تقلق أو تخاف بشكل عقلاني وسوي من احتمال وقوع حادث وأنت تقود في الطريق السريع، فمن الممكن أن تدمر سيارتك وربنا أيضاً سيارات الآخرين.

 

إذ يجب أن تتوخي الحذر تماماً في أثناء القيادة وأن تدرك حالة الطريق الذي تسير فيه حتى تصل سالماً إلى المكان الذي تقصده. أما "جاك"، فقد تخطى مرحلة القلق الطبيعي السوي على سلامته.

 

ففي الأساس، يقول "جاك" لنفسه: "أليس أمراً مروعاً أن أموت في مثل هذا العمر؟" لكن على افتراض أنه سيكون من المؤسف أن يموت "جاك" قبل أن يعيش سبعين عاماً، وهو متوسط العمر المتوقع هذه الأيام؛ تُرى، لماذا سيكون هذا مروعاً؟ في الحقيقة، إن الموت هو أسوأ الأشياء التي تحدث لمعظم الناس.

 

لكن، ما وجه الخوف والروع في عدم الوصول إلى سن السبعين؟ فالكثير من الناس يموتون في أثناء طفولتهم أو قبل بلوغ سن الرشد.

 

فبالطبع، يموت عدد لا حصر له من البشر قبل بلوغهم السبعين من عمرهم نتيجة أسباب متعددة. هذا، ويعد الخوف من الموت "قبل متوسط العمر المتوقع" مطالبة منك بالفعل بضمان طول حياتك.

 

ففي الواقع، يطلب "جاك" من مبدع هذا الكون أن يمنحه حياة طويلة. لكن، ما الدليل على ضمان أي شيء في الحياة؟ يبدو أنه ليست هناك حقيقية مؤكدة في هذا الكون سوى الموت.

 

أما وقت أو مكان أو سبب الموت، فجميعها أمور غيبية ولا يمكن لأحد من البشر أن يعلمها.

 

لهذا، فإن مطالبتك بأن تعيش عدداً معيناً من السنوات، مع علمك أن هذا الأمر لن يتحقق بأية حال من الأحوال، ماهي إلا محاولة من جانبك تطالب فيها باختلاف نظام الحياة عما هو عليه الآن.

 

وإذا تمسكت بهذه الفلسفة اللاعقلانية، فإنك لن تشعر بشيء سوى القلق المستمر. ذلك، لأنك إذا كنت تعتقد أنه يجب أن تحقق هدفاً معيناً؛ وإن لم يكن هناك ما يؤكد لك بالفعل أنك ستحققه حتماً، فستشعر بالقلق المستمر بسبب إمكانية عدم تحقيق الهدف الذي تظن أنه ينبغي عليك تحقيقه.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد