الصحة العاطفية

صفحتنا على G+

الإشفاق على الذات

يحدث الاكتئاب الناتج من الإشفاق على الذات عندما نفقد شيئاً ما، قد يكون إنسان عزيز عليما فقدناه بسبب موته وقد تكون وظيفة. وعندها، يفكر الشخص المكتئب في سبب حدوث ذلك له هو دون غيره، وفيما فعله ليستحق عليه ذلك كما يعتقد أنه لن يتمكن من تعويض ما فقده ولن يشهر بالسعادة مرةً أخرى. والأفكار التي توضح أن الحياة قاسية ولا يمكن تحملها وأنها غير مريحة على الإطلاق ما هي إلا أفكاراً متفرعة من إحدى الأفكار اللاعقلانية الرئيسية، ويمكن إعادة صياغة هذه الفكرة بأسلوب آخر وهو أن ظروف الحياة يجب أن تكون منظمة بطريقة تجعلنا نحصل على ما نريده بسهولة ويسر وسرعة، ويجب أن تكون حياتنا خالية تماماً من المشاكل؛ لا سيما عندما لا نفعل شيئاً نستحق عليه هذه المشاكل.

 

كما أنه عندما تحدث هذه المشاكل فلن نستطيع تحملها ويصبح العالم مكاناً سيئاً جداً ولا يستحق العيش فيه. حتماً، ستؤدي هذه الفكرة اللاعقلانية إلى الشعور بالإشفاق على الذات والامتعاض، وهذه المشاعر بدورها تؤدي إلى ضعف القدرة على تحمل الإحباط والسلوكيات الانهزامية الأخرى.

 

دراسة حالة خاصة بالشعور بالإشفاق على الذات

دراسة الحالة هذه لسيدة تُدعى "ماري" وهي تعمل كسكرتيرة، وتبلغ من العمر سبعةً وأربعين عاماً وقد انفصلت عن زوجها الذي تخلى عنها وقد شهرت بالألم الشديد عندما هجرها زوجها.

 

تقول "ماري" وهي تمسح دموع عينيها إنها لم تدفعه للابتعاد عنها، ولا تصدق أنه هجرها بعد كل ما قدمته له على مدى السنوات التي عاشها معها، وإن معاملته لها بهذه الطريقة لظلم كبير.

 

فقد كانت "ماري" تكدح في عملها من أجله وفي الوقت نفسه تسعى تماماً لكي توفر له الهدوء والراحة في البيت.

 

ومع كل هذا تركها، فهل هذا ما تستحقه "ماري" بعد زواج استمر واحداً وعشرين عاماً؟ والآن، فلنطبق نموذج (أ – ب – ج) على هذه الحالة لنعلم كيف يمكننا مساعدة "ماري" في التخلص من حالة الاكتئاب التي تعاني منها والتعامل بفعالية أكثر مع وضعها الاجتماعي.

 

عند تطبيق نموذج (أ – ب – ج) للإشفاق على الذات على هذه الحالة، نلاحظ أولاً أن "ماري" استنتجت أن تخلي زوجها عنها ظلم لها وأنها لا تستحق مثل هذه الطريقة التي عاملها بها على الإطلاق. فعند النقطة (أ)، تخلى عنها زوجها وهذا هو الحدث المنشط.

 

وعند النقطة (ج)، شعرت "ماري" بالألم والإشفاق على ذاتها، وهذه هي النتيجة النفسية. وربما يعتقد كثير من الناس أن النقطة (أ) هي السبب في حدوث النقطة (ج)، لكن هذا غير صحيح، لأنه إذا كان (أ) السبب في حدوث (ج)، فإن هذا معناه أنه عندما يتخلى أحد الزوجين عن الآخر، فإن هذا سيسبب للطرف الآخر شعوراً بالألم والإشفاق على الذات.

 

ودون شك، ربما يحدث هذا لبعض الناس، وربما يشعر البعض الآخر بالحزن أو خيبة الأمل أو الضيق. وربما يؤدي الحدث المنشط (أ) نفسه إلى نتائج سلوكية وانفعالية نفسية متعددة ومختلفة عند النقطة (ج).

 

والسبب في اختلاف ردود أفعال الناس تجاه الحدث نفسه هو طريقة تفكيرهم في الحدث. ففي هذا النموذج، ترمز النقطة (ب) إلى طريقة الشخص في التفكير فيما يحدث له عند النقطة (أ).

 

عندما ننظر إلى ما تفكر فيه "ماري" عندما هجرها زوجها، فإننا نجد أنها استحضرت في ذهنها أفكارها واعتقاداتها المرتبطة بالأحداث المتعددة عند النقطة (أ) وهي الأحداث المنشطة في حياتها.

 

ولهذا، فإنه عند النقطة (ب)، من المتوقع أن نجد أن "ماري" لديها بعض الأفكار والاعتقادات المحددة عن الهجر، ومن المتوقع أيضاً أن نجد أن بعض هذه الأفكار منطقي أو عقلاني. نحن نعلم أن "ماري" لا تعاني من تلف في المخ، وأنها قادرة على إصدار أحكام منطقية، لأنها لو لم تكن قادرة على التفرقة بين الواقع والخيال، فما استطاعت الاستمرار في الحياة لمدة سبعة وأربعين عاماً، ورما كان يعتني بها الآن في إحدى دور رعاية المسنين.

 

لكن، "ماري" واصلت حياتها ونجحت في التعايش تماماً مع ظروفها. لكن، ماذا عن أفكارها ومعتقداتها عن هجر زوجها لها وتخليه عنها؟

 

يمكننا أن نقول إن "ماري" عند النقطة (ب)، لديها بعض الأفكار العقلانية وهذه الأفكار والمعتقدات قوية ومؤكدة وتستند إلى الحقائق. ومن بين هذه الأفكار أنها ستواجه بعض المشاكل كنتيجة مباشرة لتخلي زوجها عنها، فأحوالها المادية ستكون صعبة وسيؤثر هذا على مستوى معيشتها، وستعول نفسها أكثر من ذي قبل.

 

كما يمكن أن تحدث نفسها قائلة: "كنت أتمنى كثيراً لو لم يكن زوجي قد تخلى عني". والآن، إذا استمرت "ماري" في التفكير بهذه الطريقة، ستشعر بالإحباط وخيبة الأمل بسبب الطريقة التي انتهى بها زواجها وستشعر بالحزن عندما تتذكر الأوقات الطيبة التي قضتها مع زوجها.

 

هذا، وربما تشعر بالضيق لأن زوجها لم يقدر إسهاماتها ي الحياة الزوجية ولم يقدر السعادة التي عاشاها معاً بالقدر الذي يجعله يريد الاستمرار في هذه الحياة. وبالتمسك بهذه الأفكار والاعتقادات العقلانية. وهي الأفكار التي تنصح بها "ماري" أية امرأة تواجه مثل هذا الموقف، فإنها قد تشعر بالحزن وعدم الرضا لكن ليس بالألم والإشفاق على الذات.

 

لكن لسوء الحظ، فإنه قد غلبت على أفكار "ماري" العقلانية ومعتقداتها مجموعة أقوى من الأفكار والمعتقدات اللاعقلانية. وهذه الأفكار اللاعقلانية هي التي تكمن داخل "ماري" وتسبب لها هذا الاضطراب النفسي.

 

ومن هذه الأفكار اللاعقلانية التي كانت تحدث نفسها بها: "كان ينبغي ألا يعاملني زوجي على الإطلاق مثل هذه المعاملة الظالمة، لأن هذا إحساس سيء؛ لا سيما لأنني لا أستحق تلك المعاملة الظالمة". منها أيضاً أن هذا العالم سيء وظالم، لأنه يسمح بحدوث مثل هذا الظلم، وأنه لا ينبغي أن تنال ما لا تستحقه. ويسبب هذه الأفكار، فإنه لا غرابة في أن تشعر "ماري" بالألم والاكتئاب.

 

في الوقت نفسه، فإن سلوك "ماري" قد تغير، فقبل أن يتركها زوجها ويتخلى عنها، كانت "ماري" نشيطة وتساهم في عدة مجالات.

 

فكانت تمارس رياضة الجولف، كما كانت عضواً في جماعة الفنون والحرف الشعبية.

 

لكن، ما أن أزداد شعورها بالحزن وتعمق داخل نفسها حتى ازداد شعورها بالاكتئاب وتوقفت تماماً عن المشاركة في الحياة الاجتماعية.

 

فقد أصبحت "ماري" كسولة وفقدت اهتمامها بأصدقائها وأنشطتها السابقة، إن هذا الانطواء هو السلوك التقليدي الذي يصدر عن الأفراد الذين يشعرون بالاكتئاب.

 

كما أن أحد ردود الأفعال السلوكية الأخرى الشائعة للاكتئاب يحدث عندما يبدأ الفرد في التدخين أو تناول الكحوليات أو الاشتراك في النشاطات الانهزامية مثل تعاطي المخدرات. وربما تلاحظ أيضاً تغيراً واضحاً في أفكار الشخص وميوله.

 

كل هذه الأشياء تساعد الفرد المكتئب على الخروج من حالة الاكتئاب التي يمر بها والتغلب على الألم الذي يشعر به؛ لكن بشكل مؤقت.

 

هذا، ولمساعدة "ماري" في التغلب على حالة الاكتئاب التي تمر بها، فإننا نوضح لها أن أفكارها ومعتقداتها اللاعقلانية عن تخلي زوجها عنها هي التي تسببت بشكل كبير في حدوث هذا الاضطراب النفسي لها. أولاً، ساعدنا "ماري" على إدراك أن اعتقادها أن زوجها كان ظالماً ولم يراع مشاعرها عندما تخلى عنها بهذه الطريقة كان، في الأساس، استنتاجاً من جانبها هي فقط.

 

وربما يكون هذا الاستنتاج بالفعل، لكن دون معرفة دوافع زوجها لذلك، لا يمكننا التأكد من صحة هذا الاستنتاج. ونعلم أن بعض الأزواج يتركون زوجاتهم ويتخلون عنهم لأسباب لا تتعلق بسلوك الزوجات. فبعض الأزواج يتركون زوجاتهم ويتخلون عنهم لأسباب لا تتعلق بسلوك الزوجات.

 

فبعض الأزواج يكونون مضطربين نفسياً جداً؛ لدرجة تجعلهم لا يستطيعون التواصل مع أي فرد وبالتالي، يتخلون عن زوجاتهم التعيسات. من المهم أن نتذكر أن كل منا يقوم بعمل اسنادات؛ فنحن نسند بعض الدوافع والنوايا إلى الآخرين لتساعدنا على فهم أسباب تصرفاتهم.

 

بوجه عام، نحن ندرك حقيقة الموقف بوضوح تام، لكن تفسيرنا للسبب في حدوث هذه التصرفات غير صحيح بالمرة وكثيراً ما يضللنا. وعادةً، لا يهم هذا الأمر كثيراً، لأن كل ما حدث هو سوء فهم للأسباب الحقيقية وراء بعض تصرفات الطرف الآخر.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإننا لو تصرفنا على أساس الفهم الخاطئ لدوافع الطرف الآخر، فإن النتائج ستكون دون أدنى شك سيئة.

 

وإحدى هذه النتائج هي أن نسبب لأنفسنا ألماً لا داعي له عندما نفسر سلوك الطرف الآخر على أنه ظلم متعمد أو اعتداء علينا، ولهذا يجب التأكد من صحة الإسنادات التي نفترضها.

 

كما تجنب أن نفترض أنه عندما يتصرف شخص ما بطريقة تعتبرها أنت ظلماً أو غير لائقة، أن يكون هذا معناه أنه يتعمد خداعك.

 

وربما يكون هذا التصرف متعمد بالفعل، لكن من الممكن أيضاً أن يكون ناتجاً عن جهل أو سوء فهم.

 

سواء كان تصرف زوج "ماري" متعمداً أو لم يكن كذلك، فإنها اعتبرته متعمداً وأنها لا تستحق هذه المعاملة الظالمة بعد كل ما قدمته له.

 

وربما كان من الأفضل أنها أن يستمر زوجها معها ولكنه لم يفعل ذلك في الواقع. لكن، على فرض أنه كان من الأفضل استمرار زوجها معها، إذن فما الدليل على وجوب استمراره معها وعدم ظلمه لها؟ للأسف، ليس هناك أي دليل على ذلك.

 

وعبارة: "كان من الأفضل..." لأنها تعبر عن حكم مهم تؤيده بعض الأدلة الواقعية.

 

لكن، تُرى من أين تأتي عبارة "أن عليه ألا يتركها أبداً؟" أليس هذا أمراً أو طلباً بضرورة أن يسير وينتظم العالم ولا لطريقة تمنع حدوث مثل هذا الشيء لها؟ وإذا كان العالم ينتظم وفقاً لطريقة تضمن حدوث أشياء معينة على الإطلاق، فإن هذه الأشياء لن تحدث لأنه لا يمكن أن تحدث.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد